الأربعاء، سبتمبر 28، 2016

"تغيّرتي يا سُعاد" !




"تغيّرتي يا سُعاد.. الجامعة غيّرتك!"


شكرًا للصديقة صاحبة الكلمة السابقة التي قالت ما قالته ذات يوم وتركتني أغرق في نفسي
خاصةً أنها لم تعطني توصيفا لذلك التغيير الذي كنت أشعر به فعلا.. لقد قادتني كلمتها تلك إلى أن أتأملني
وكنت في كل مرة أوشك أن أضع يدي على موضع التغيير أجدني أمسك الوهم!
أحسست أني بحاجة إلى أن أخرج من نفسي لأراني ..أو أن أجدني في شخص آخر يبصر ما عجزت عن إدراكه..

على كل حال.. كنت متصالحة مع ذلك التغيير رغم عجزي عن تحديده أوتصنيفه إن كان للأفضل أو للأسوأ
يكفي أنني كنت أشعر جرّاءه باقترابي من نفسي..
كيف يكون الانسان محسوبًا على الحياة أصلا إن لم يتغيّر؟
وكيف له أن يعبر الحياة أو بالأصح تعبره الحياة بكل ما ومن فيها دون أن تؤثر فيه؟

الآن انتهت سنوات الجامعة الخمس وسنةٌ أخرى.. 
ولكن هل أستطيع القول أن ثلاث سنوات من التوتر والقلق قد انتهت؟
لا أجزم .. لكن أتمنى
الآن تهدأ النفس كما يهدأ سطح الماء بعد اضطراب.. 
ويأتي دور تقييم ما مضى ..
اعتدت أن أقيّم كل مرحلة من حياتي بعد انتهائها مقاربةً للإنصاف..
ولثقل المرحلة الجامعية أشعر بأن تقييمها فوق طاقة الكلمات والحروف.. لكن استخراج بعض مواقفها.. ممكن!
اخترت أن أكتب عنها لمرّة أخيرة لعلّني أتحقق هل تغيّرت فعلا؟ وكيف؟ وإلى أين؟.. أو يدلّني قارئٌ ما





" فكيف بك يا ابن عمر" !



السبعة أشهر التي فصلت المرحلة الثانوية عن الجامعة منحتني وقتًا للتفكير بعيدا عن أي مؤثرات خارجية
كنت أقرأ وأقرأ لأرى هل تزيدني القراءة في الفيزياء شغفا أم مللا ونفورًا؟

كنت أتمنى لو أتمكن من اتخاذ القرار دون التفكير في تبعاته وآثاره..
لكن هل من الفطنة أن يحيا الانسان عبثًا؟
وهل من اليقين أن يخاف المرء من رزق غد؟
أمن الحكمة أن يختار المرء ما يحب ويترك ما هو مطلوب؟
وهل من البصيرة أن يبيع الانسان شغفه وسنوات عمره من أجل شيء يكون أو لا يكون؟
وكانَ صراع..!
اكتشفت في تلك الفترة أن المتناقضات أقرب ما تكون إلى بعضها.. وأعقد!


أذكر أنني في تلك الأيام كنت أصلي الاستخارة أكثر من عدد الصلوات المكتوبة
كانت الحيرة تأكل راحتي.. ولم تكن الحيرة بين قسمين بل كان خوفًا.. الخوف من نفسي.. هل ستصمد؟
هل أختار الفيزياء على أن أحارب وحيدةً؟.. أم أختار ما يعجب الناس وأركن إليهم؟
.. ثم قلت لنفسي لو كنت سأتبع ما يمليه عليّ محيطي وهم لي أنداء ما قاربت الحكمة..
ولو اتبعت ما يتكهن به العلم من خلال الاستقراء والاستنباط لمستقبل كل تخصص لتساوَى عندي كل شيء
 لأنني استثناء أولا.. ولأن العالم حدث والحوادث تتغيّر..
لكن سنن الله ثابتة لا تتغير فأخذت بها وعزمت على أن أُحسِن في دراستي ما استطعت
بسنة الله الكونية: "إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا".

اخترت ما أريد.. نعم.. وتحمّلت في سبيله الكثير من الأذى
الكلام الجارح والتحقير والتقليل والمقارنة والشماتة.. هل يستطيع الانسان أن يصم أذنه عن كلام الناس؟
وهل بعض الناس مثل غيرهم؟
كيف بنا إذا أتى الكلام ممن نحب وممن كنا نراهم الأقرب.. فإذا بهم يخجلون من اختيارنا
وفي الوقت الذي نحتاج دفاعهم ودعمهم يدارون وجوههم عنّا!
أكان خوفًا من ماذا سأعمل وأي وظيفة ستقبلني وأيّ وجاهة سأنالها؟
السؤال الذي أقلقهم وكأن رزقي بيدهم!

"فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قومٍ يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين" *

لعلّهم الآن يشعرون تجاهي بالانتصار أما أنا فلا أشعر بالهزيمة .





معذرةً إلى ربكم.. ولعلّهم


لو كانت هناك كلمة مرادفة للجامعة فهي المسؤولية.
كنت أشعر بالمسؤولية تجاه الأجيال القادمة مثلما كنت أتساءل حينها لمَ رضيت الدفعات التي قبلنا بالأدنى؟
كنت أعلم بأن كلامي وأنا جرمٌ صغير لن يغيّر شيء لكنني كنت أؤمن أن التغيير لا يأتي دفعة واحدة
 كما يقول المنفلوطي: "محالٌ أن يهدم بناءَ الباطلِ فردٌ واحدٌ في عصرٍ واحد، وإنما يهدمه أفراد متعدِّدون
في عصورٍ متعدَّدة، فيهزّه الأول هزِّةً تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقضُ الثاني منه حجراً، والثالث آخر،
وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر".
كنت أؤمن أن المبادرة تبدأ صغيرة ثم تكبر وتتسع بإذن الله.. وأن فيها استرضاء للضمير وذلك أضعف الإيمان!

كنت أقول إذا لم أتكلم أنا ولم يتكلم من قبلي ولم يتكلم من بعدي فأنّى لأصحاب الشأن أن يعلموا بأن الأمور ليست على ما يرام؟!
وكيف يحقّ لنا أن نلومهم ولا نلوم أنفسنا إن لم نُطلعهم على مرادنا ونقيم الحجة عليهم؟

سعيت من أول فصل لي إلى لفت نظرهم أن مقرر واحد بمسمى تدريب تُخيّر فيه الطالبة بين تدريب ميداني
وبين بحث أو مشروع داخل الجامعة لا يكفي.. نحتاج الاثنين أسوةً ببقية الأقسام.
تكلمت في الاجتماعات وكتبت في صندوق الاقتراحات ورفعت الطلب بالتغيير لأكثر من عضو هيئة تدريس تحمّلت سخرية
بعض الزميلات والأستاذات التي كانت صريحة حينًا وأحيانا أخرى تأتي في نظرة تؤذيني "من تظن سعاد نفسها لأن تغيّر شيئًا؟!"
علمتني الحياة أن أعمل الخير.. وأرميه في البحر..
وأن أحتسبه لسؤال "ذلك اليوم" فأقول يارب حاولت واجتهدت وإن أخطأت وألّا أقول كنت إمّعة وأخوض مع الخائضين!

حين وصلت المستوى ما قبل التخرج عادت القضية إلى السطح من جديد
كنت أعلم منذ البداية أنني سأصل لنهاية الطريق دون أن يتغيّر شيء.. أما الآن أصبح موعد أن أفكر بحل واقعي
 يرضيني بالحد الأدنى، أقلّه أن يقال مرّت من هنا طالبة لم يعجبها ما كان وسعت لأن يكون!!

طلبت  بشكل عابر يائس من إحدى الزميلات  التي كانت على موعد مع رئيسة القسم كمتحدثة عن الدفعة أن تخبرها
بأننا نريد أن نُعطى الحرية في اختيار مشروع التخرج وألا يُفرض علينا فرضًا ككل عام.."قولي لها هذا طلب سعاد السقاف!!"
توجهّت لمعملي.. وخلال انتظار قراءات الجهاز طلبتني أستاذة المعمل لتحادثني في موضوع ما
فوجئت بأن رئيسة القسم كلفتها بالنظر في طلبي!
ذُهلت..
ذُهلت من التجاوب السريع والتحرك بجديّة.. تواصلنا مع عدة دكتورات للإشراف علينا واعتذرن لانشغالهن
ثم بمساعدة أستاذتي توصلت للدكتورة المقرر عليها رسميا الإشراف على مشاريع تخرج الفصل القادم.. عرضت
عليها الفكرة.. كانت ردة فعلها دون المأمول.. أُحبطنا قليلا.. وأرسلت طلب شراء القطع التي
أردنا استخدامها (الأردوينو*1)  فمن يدري ما الذي سيتغيرفي الغد!





من الملل إلى العناد مسيرة أربع سنوات! (*2)


مع بداية الفصل التالي.. "فصل التخرج"
أصبح تواصل الدكتورة المشرفة يبعث على الأمل.. سمعت منّا وسمعنا منها وعرض كلٌ منّا ما لديه
أعترف أن اختيارنا لاستخدام الأردوينو كان نوعًا من المجازفة فأيّا منّا لم تستخدمه من قبل
للتوّ استلمت القطعة ولم أجرب تشغيلها بعد
لكن إذا كان الأردوينو يعتمد على البرمجة والالكترونيات وقد درسناهما فما المانع؟
وإذا كان قد صُمم للمحترفين والهواة والطلاب على حدٍ سواء فما الذي ينقصنا؟

بدا لي أنها لم تستسغ فكرة الأردوينو لكننا اتفقنا في النهاية أن ندمج فكرتها أي استخدام جهازها مع إدخال
الأردوينو وتطويعه لتطوير الفكرة والعمل عليه بشكل متزامن مع الجهاز الأول..

بدأ العمل وبدأت المشاكل التي لا تعد ولا تحصى كأي عمل وكأي مهمة في الحياة..
الجدير بالذكر أن الجهاز الأول لم يعمل أصلا والأردوينو الذي كان مكانه في المشروع مجرد إضافة
 لإرضاء إصرارنا أصبح هو جوهر العمل!!

وجدت نفسي في أغلب المرات في وجه المدفع والمسؤولة والمتحدثة والمُلامة على جُل ما يحدث..
 قرأت عشرات وعشرات الصفحات
تواصلت مع عدة أشخاص من بلاد مختلفة ولغة مختلفة
وجدت نفسي أشرح لزميلاتي أحيانا.. وأشرح لمشرفتي في بعض الأحيان!
رأيت أحلامي تتكسر والوقت يداهم وحال المشروع يتدهور
استهلك هذا المشروع من وقتي ومالي وصحتي
كانت تكفي شكة دبوس لتبكيني من فرط الضغط النفسي
سمعت كلامًا يؤذيني يقال من خلفي.. وكنت أستعيذ بالله كل صباح من شماتة الأعداء!
لم تكن تجربة سهلة.. أبدًا
تمكنّا فيما بعد من إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. وجاء يوم عرض المشروع
اليوم الذي لطالما حلمت به ها هو قد أتى..
كنت أظن أنه سيكون يوما بائسا لما أعلمه من البؤس الذي مررنا به
لكنني أدركت يومها فقط  أن ما عملناه لم يكن قليلا
وأن عدد المشاكل التي تغلبنا عليها كان أهم وأفضل بكثير من لو كان عملا مثاليا
صفق لنا الحاضرون.. ودمعت عيون صديقاتي
 قالت المشرفة أمام الحضور:"لو جاء من يكمّل عليه راح أحوله على سعاد!" لمعت عيناي لمعان منتصر كما لمعت
من قبل حين قالت ذات يوم: "سعاد انتِ عنيدة تبغي الشي إلا تسويه!"
ولا أنكر جهود بقية المجموعة.. وصبرهم على قائدة عنيدة مثلي..
ندمت أنني قللت منه ولم أدع أحدًا لحضور يومي المهم هذا
أضعت فرصة أن تحضره من كان يعنيني وجودها حقًا وافتقدت أن أراها فخورةً بي في ذلك اليوم
لقد شعر قلبي بالسعادة أخيرا عوضًا عن الضغط والقلق.. وإن كانت غير مكتملة.

أمّا من عجائب الأقدار وتسلسلها أنني حظيت بعد التخرج بفرصة تدريب في معمل "النانو" في مركز أبحاث الجامعة
تمنيت لو كانت "فلانة" موجودة التي قالت لي مرة قرب التخرج: "انتي كان نفسك في تدريب ومشروع
أهو وصلتي وجا دورك".

لكن الحياة ليست مثالية إطلاقا، فالتدريب لم يسير كما ينبغي ولو أنصفت فأنا لم أتعلم سوى استخدام جهاز واحد فقط!
لكن من حسن حظي صادف وجودي هناك إحدى الباحثات التي استخدمته ولم ينجح معها
راستلها فيما بعد واقترحت لها حلًا.. أرسلت لي عينة من مادتها وعملتُ عليها وتبيّن من النتائج أن المشكلة قد تم حلها!
لم يتحقق حلمي بعمل بحث حقيقي لكن سعدت بأن مقترحي ساهم في بحث حقيقي لشخص آخر.





جانب جميل.. وجانب آخر


كنا ننام أقل ما يمكن.. ونعمل أكثر ما يمكن.. ومع ذلك أقولها بملء فمي كانت أجمل من كل ما مضى..
حتى التذمر والتشكي كان جزء لابد منه ليتحقق جمالها
كنت أكثر انشغالا بنفسي .. أقل انشغالا بما يقوله الآخرون
أيّة آخرون أصلا؟.. كانت العلاقات الاجتماعية تتدهور إلا من المخلصين الذي عذرونا قبل أن نعذر أنفسنا
جرّبت مالم أتخيّل نفسي فيه من قبل
كسرت حواجز عديدة .. اكتشفت جوانب جديدة..

وعن رفقاء الرحلة...
الذين هم "على الحلوة والمرّة"
عن تلك التي تفاجئني بتوافق أفكارنا كل مرّة
وتلك التي تعهدتني بسؤالها وحنانها كل فترة امتحانات وما بينهم..
والتي كانت لي أذنا مفتوحة..
عن الأستاذة (*3) التي سمعتها تقول لزميلتها من خلفي: "فين سعاد جيت عشانها اليوم!" أتت لأجلي فقط
لأن لديّ أسئلة ولأن ساعاتها المكتبية لا توافق أوقات فراغي! 
عن الذين إذا وقعت في مشكلة شفعوا لي دون أن أطلبهم..
عن الصديق وقت الضيق..

رأيت بهم جانبًا جميلا.. تعلمت منهم الكثير..
 وكذلك من غيرهم..
تعلمّت ألا أصدّق الوعود .. وأن الوعود الزائفة أكثر من عدد البشر!
وأنّ الكلام لا يعوّل عليه مالم تصدّقه الأفعال
وأنّ المظاهر و"البهرجة" لا تغني من الحق شيئا
وأنّ الكثير من اللوحات الجميلة التي يتغنّى بها أصحابها قد دُقّت مساميرها في قلوب آخرين
ورأيت كيف تُوكل الأمانات لغير أهلها
ورأيت كيف الذي لا يستحي يصنع ما يشاء

وكاد قلبي يعجز أن يعود بعد كل ما كان.. بعد ما تكسّر ألف مرّة وخُذل ألف مرّة..
عاد هاجس التغيير يراودني بعد التخرج.. يبدو أنني تغيّرت للأسوأ..
كل الذي كان ما عاد يشبهني..
لقد استغرقتني المرحلة لتتركني بعدها لـ اللاشيء دفعةً واحدة
استغرق منّي أكثر من عام بعد تخرجي لأتخلص من سيء الآثار..
كان صراعا مع شيء لا أعرف ما هو بالتحديد.. لكنه أفقد الأشياء ألوانها ومعانيها
كنت أقنع نفسي كل يوم بأنه وهم.. لكني كنت أراه يأكل من عمري..
لازلت في ريب .. وفي خوف من انتكاسة أخرى.. لكن إن كنت نجحت حقًا في تجاوز ما كان
فلعلّني أكتب ذات يوم عمّا ساعدني على ذلك.. أن أكتب في حب من أحبهم!!





وأخيرًا..


أكتب هذه الكلمات اليوم.. وكل الأبواب مغلقة أمامي.. حرفيًا
صرت أقولها وأنا لا أشعر بالضعف أوالحرج أو أنني بحاجة لمداراة حقيقة أني لم أجد عملًا أو سبيلًا
 لإكمال دراستي وتحقيق حلمي
كل الفرص التي عرضت عليّ أو رُشحت لها كانت تجعلني فخورة بنفسي نعم.. لكنها كانت تزيدني ألما لعدم
تمكني من أخذها وأنا أستحقها وقد حال بيني وبينها قيود خارج دائرة تأثيري!

ورغم كل ما حدث ويحدث الآن.. لم أندم ولو للحظة أني اخترت هذا التخصص.. أظنّه الاختيار الوحيد
الذي اخترته بكامل الرغبة والحرية والتحدّي..
هناك من سيقرأ كلامي ويظنها مكابرة.. أعرفهم.. أكاد أسمّيهم
أقول لهم: أنا لا أخافكم!

الذين يعرفونني يتوقعون أمر إكمال دراستي بديهيًا ومفروغًا منه..
الذين يعرفونني جيدًا يقولون: لا تستسلمي!

منهم من فقد الأمل بي.. ومنهم من سيفقده عمّا قريب..
ومنهم من آمن بي في الوقت الذي فقدت فيه إيماني بنفسي وأحبني في الوقت الذي عجزت فيه عن حب نفسي
فهل تراهم سيملّون كما ملّ من قبلهم ويفقدون بي الأمل؟
ويقول لي قائلٌ: وماذا يعني إن رحلوا مع من رحل؟
يعني أن نتكبر على بشريتنا.. النفس الانسانية لا تقوم بنفسها
هكذا أعتقد.. وهكذا قادتني تأملاتي..
حتى الآية القرآنية التي في ظاهر معناها عليك نفسك أتت بصيغة الجمع (*4)
الانسان للانسان.. والحب ترياق.. والإيمان عروتنا الوثقى
علمتني الحياة بأن الحب يشفي.. والإيمان يقوّي
والإيمان يزيد وينقص.. وما ضعُف من نقص.. أتى الحب ليجبره ويقوّيه.. و الحب الحق ما كان حبًا في الله!


"تغيّرتي يا سُعاد!"

نعم تغيّرت..

مرّت أيام وسنوات.. تغيّر كل شيء.. تغيّرت أنا وتغيّرت الآراء والأفكار والمشاعر..
أتى من أتى، وغاب من غاب.. ولم يبق إلا قلّة هم البقيّة النابضة في قلبي.







--------



*) في نزول الآية: "وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم"
*1) الأردوينو نوع من المتحكمات الدقيقة مفتوحة المصدر يمكن برمجتها وتوصيلها بدوائر إلكترونية لبناء مشاريع لا محدودة.
*2) كانت معلمة الرياضيات في الثانوية تقولي لي "مشكلتك تملّي بسرعة" .
*3) د/هالة الجوهري .
*4) "عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم".


الجمعة، أغسطس 15، 2014

لماذا نخاف من التفكير؟




صدقًا..لا أذكر أني ندمت في مرة على حضور لقاء أو محاضرة ثقافية
.. ربما مرة أو مرتين.. وربما لأني لا أحضر الكثير منها أصلا!
أقول لا أندم لأن مقياس الاستفادة عندي متواضع .. قد لا يؤثّر فيّ جُلّ ما أسمعه وتبقى عبارة واحدة أفادتني
هل أجحدها؟.. لا .. لم أعرفها من قبل وربما لم أكن لأعرفها من بعد!

دفعتني لكتابة هذه التدوينة محاضرة أقيمت قبل أشهر في مسرح الكليّة
 كانت بعنوان "نحو التفوق" للدكتورة ريم الطويرقي
تلك المحاضرة كانت مختلفة فعلا.. لن أقول لا أعرف لماذا بل أعرف تمامًا..
وإن كنت لا أستطيع أن أجزم في أينا كان الاختلاف أفي المحاضرة نفسها أم في استقبالي لها
إلا أنني متيقنة بأن سر الاختلاف أنها وافقت ما كنت أشعر به وأفكر فيه وأتساءل حوله.. لذا أقول .. أنها وقعت في القلب!!

ومما كان فيها
أنّ الانسان محور القرآن
وأنّ خلافة الأرض تشريف وتكليف ومسؤولية
وأنّه ما من حضارة حقيقية إلا وتقوم على دعامتين الغذاء الروحي والغذاء المادي
وأنّ "طلب العلم فريضة"
وأنّ الإيمان بما نقوم به يغير في آدائنا له
وأنّ الاستمرارية مطلوبة كي لا نفقد المصداقية
وأنّه لا تعلّم بلا تدوين
وأنّنا... فقدنا "الإنسان"!
وأنّنا نمر بحالة اختطاف
وأنّ لدينا إرث عظيم تركه لنا علمائنا الأوائل، فهل أدركنا قيمته؟
ثم لماذا يجب أن نعرف التاريخ؟
وما هي وظيفة العقل؟
وأخيرًا..... "لماذا نخاف من التفكير؟"

انتهت المحاضرة ولم ينته أُثر السؤال وصرت أردده بيني وبين نفسي .. لماذا.. لماذا نخاف من التفكير؟
هل أخاف من التفكير حقا؟ ومم الخوف؟ وعلام الخوف؟ وأي الأشياء ينبغي التفكير فيها؟ وما معنى التفكير أصلا! والسؤال تبعته أسئلة..!

حسنًا!.. إننا على الأرجح لا نستطيع التوقف عن التفكير، إننا نولد لنفكر
ثم يأتي المجتمع ليؤثر على أفكارنا وقلّ أن يحدث العكس!
فالمشكلة الحقيقية ليست في ممارسة التفكير نفسه بل في أي الأشياء نفكر وما الذي نخرج به من هذا التفكير.
أحاول أن أتذكر بداية تعرفي على مصطلح التفكير، ربما كان ذلك عن طريق اللوم والتوبيخ

"انتِ ما تفكري؟"

فأصبح مصطلح التفكير يعني أن أصل للصواب من قولٍ أو فعل، لكن أي صواب؟
الصواب الذي يرونه هم أي طريق وحيد لا يوجد غيره، ولا يسلم من يبتغي غيره.. إنها ثقافة القالب!
أذكر عندما كنت في أحد الصفوف الأولية في الابتدائية كنت أقرأ في سورة الصف
ووصلت للآية " ...ومُبشرًا برسُولٍ يَأتي مِن بعدِي اسمُه أحمد..." فتعجبت وسألت أحد "الكبار":
 أليس رسولنا اسمه محمّد فكيف هنا في الآية أحمد؟
سؤال بريء من طفلة جوابه أبسط ما يكون إلا أن ما حدث أن جآئني الرد معنفًا :
 "يعني تبغي تطلعي القرآن غلط!!" .... لم أنسى.
أمن مثل هذا ينشأ الخوف من التفكير؟
كل ما كان حولي كان مساهمًا في تعزيز مفهوم التبعيّة أكثر من مفهوم الاستقلال الفكري
 .. ما أسهل أن تكون كالآخرين وما أصعب أن تكون أنت!




توصية بصديق!


خلال تلك اليومين حدث أن لمحت توصية في موقع goodreads بقراءة كتاب (التفكير فريضة إسلامية) للعقاد
فقلت لعل هذا وقته، وكان من حسن حظي أني وجدته في مكتبة الجامعة، فقرأته،  وخلصت منه بما يلي:
أنّ التفكير ينبغي أن يستند إلى علم، وأننا مأمورون بالتعلم والتفكير،
وأنّ شر الناس في الإسلام من يحرّم على خلق الله أن يفكروا أو يتدبروا بعد أن أمرهم الله بالتفكير والتدبر
 وأنبأهم بعاقبة الذين لا يفكرون،
 وإنه لمن الحق أن نعلم أن كتابنا - القرآن الكريم - يأمرنا بالبحث والنظر والتعلم
 والإحاطة بكل معلوم يصدر عن العقول مع الإقرار بأن كل ما تستنبطه العقول لا يستغني على الدوام
 عن التعديل وإعادة النظر من حينٍ إلى حين،
 وأنّ الإسلام يأبى كل علم يختلط بأسرار الكهانة، فكل علم يؤمر به المسلم فهو علم صريح بغير حجاب
ولا تنجيم، يهتدي إليه كل مأمور بالنظر قادر عليه،
 وأخيرًا أنّ المسلمين يحتفظون بمكانهم بين أمم العالم ما احتفظوا بفريضة التفكير.

... إنّ من يتأمل التاريخ والواقع يدرك أن للأفكار قوة، وما أكثر من يستغني عنها فيسلّم عقله!



القالب مرة أخرى 

في عمق القضية، لعلنا لا نخاف التفكير.. بل نخاف الاختلاف!
إننا حين نفكر ندرك حقيقة اختلافنا عن النفس المكنونة في كلٍ منّا ، ندرك حقيقة استسلامنا لتيار الحياة،
 نسير معه أيًا كانت وجهته، المهم أنه يسير حتى لو أوصلنا لوجهة لا نريدها 
نركبه ولو اضطررنا لأن نتخفف من بعضٍ منّا، المهم ألا نبقى على جانب الطريق ، خلف الأضواء ، وخارج الصورة!

إن من يعتاد القالب الذي صاغه المجتمع يرى فيه الأمان، فيُشكّل نفسه على قياسه مصدقًا أن "الموت مع الجماعة أرحم"!!
يؤمن بأن اختلافه عن الآخرين له ضريبته، قد يخسر أصدقاء ، يخسر اهتمام ، يخسر شهرة ، يخسر راحة البال
بينما في الحقيقة يكون بذلك خسر نفسه أو في أفضل الأحوال خسر بعضًا منها!
جرّبت في مرة بل أكثر من مرّة أن أقف ، أن أتأمل إيقاع حياتنا السريع بعاداته وروتينه الذي يقودنا بدلا من أن نقوده ، وأن اسأل نفسي "لمَ يا سعاد؟!" .... "الكل يفعل ذلك" .
كيف أصبح "فعل الكل" مرجعية لقياس توجهاتنا؟ صوابها وخطأها؟ ضرورتها وتفاهتها؟ حلالها وحرامها؟
 ما أبعد مقياس البشر عن المقياس الإلهي لو صدَقنا أنفسنا... وإننا من بعد هذا لمسئولون!

تسآءلت قبل عامٍ أو يزيد.. "هل نحن من نريد حقا أن نكون؟"
والآن أتسآءل "لماذا نخاف من التفكير؟".... فهل يجيب أحدهما الآخر؟!
أختم بما قالته أسماء عليان:

 "ولا تهديك الحياة يا صديقي إجابات جاهزة، بل أسئلة تسعى للبحث عن أجوبتها.. طيلة العمر!"





.

الأربعاء، مايو 01، 2013

هل نحن من نريد حقًا ؟



حين نكبر.. حين نختلف
حين نفتح أعيننا باتساع .. ونغلق آذاننا بإحكام
يأتي السؤال!


هل نحن من نريد حقًا أن نكون؟
فإن لم نكن فلماذا؟.. وإن كنا فماذا بعد؟!

أتى متأخرًا.. ربما
أتى بعد اثنتي عشرة سنة و سنةٍ أخرى!
أيقظ هذا السؤال الكبير الكثير من الأسئلة الصغيرة والأفكار المتعثرة
 ولن أكذب أغلق معه أبواب سعادة عديدة .. أولها راحة البال!

ولأن أغلب الأحداث التي غيرتني معادها إلى شيء يخص العلم والتعليم
فلم أستغرب أن يكون ميلاد هذا السؤال في عتبات العمر الجامعي!

سأبدأ من البداية.. من سنين التعليم العام
تلك الأيام التى كنا فيها نسخ متشابهة جدًا.. نرتدي نفس الزي، نردد نفس الإجابات،
وربما نفكر بنفس الطريقة!

وكبرت هكذا.. لا أختلف عن أحد ولا أشبه أحد
وكل سنة تشبه ما قبلها وما بعدها
كنت من المتفوقات، لكن ثمة شيء لم يجعلني أفرح بنجاحي كالبقية
أشعر في كل مرة أحصل فيها على العلامة الكاملة بأني أستغفل نفسي
وأسمع صوتها الساخر يعلو.. هل تصدقين ذلك حقًا!
كنت كثيرة المقارنة بيني وبين قرنائي في البلدان الأخرى.. أين أنا منهم؟

أعترف كنت أناقض نفسي كثيرًا لذا لم أسلم من الكثير من الوعكات الدراسية 
ولا أعني بها هبوط تحصيلي الدراسي من الدرجات ولكن أقصد تحصيلي المعرفي. 
أؤمن بأن الاختبارات ليست هدف، ثم أقول إذا لن يأتي في الاختبار فلماذا نضيع وقتنا فيه!
أؤمن بأن الأسئلة مثرية، وأتراجع عن السؤال لأن ثمة من ستنعتني "بالدافورة"..أو لأنني لم أتعلم بعد كيف أسأل!
أؤمن بأن طلب العلم يمكن أن يكون ممتعًا، ثم أتضجر معهم كما يتضجرون!
 ... ياااه كم كنت ....! 


كنت أدّعي حب العلم ادعاء باطلا حتى ثبتت عليّ التهمة في أول جلسة استجواب عقدتها أختي الصغرى!
لملمت نفسي بعد تلك الجلسة وأخضعتها لعزلة كنت فيها المدعي والمتهم والقاضي 
 وبلا محامي .. خلصتُ بعدها إلى أن طلب العلم يتطلب شجاعة ولم أكن أملكها بعد!
 لمَ الشجاعة بالذات؟
لأننا في مجتمع يفتقد فكرة (العلم من أجل المعرفة) ولأننا اعتدنا التهكم والسخرية بـ"الدوافير" 
ولا زلت أجهل الغاية وراء ذلك لكن أعتقد أن فكرة السخرية 
هذه بدأت كمواساة للمتعثرين فأوبقتنا نحن، بل أوبقت مجتمع بأكمله!

 أدركت ذلك واحتفظت به لزمن لأنني كنت أعلم بأني لن أجد من يتفق معي 
وربما لأنها كانت مجرد وجهة نظر ولأن الاختلاف معهم له عواقبه وتكاليفه باهضة ستخصم عليّ من أوقات متعتي معهم،
أما اليوم وقد أصبحت وجهة النظر اعتقادًا أؤمن به وأعيش له فلم أعد أكترث بمن يتفق معي أو لا 
المهم أن أستمر، وإن تعثرت، وإن بدا الطريق صعبًا، وإن بدا أحيانًا بلا نهاية..
.. وتخصصي الآن اختياري فكيف أزهد فيه ؟!