الخميس، يوليو 01، 2010

الثانوية.. إلى الوداع!

.
.





" لا أتوقع من نفسي أن تتأقلم في هذه المدرسة "

كانت تلك الكلمات أول ما كتبته في مذكرتي في أول أيامي في المدرسة الثانوية الثـامنة .

كنت أتعجب من نفسي حين يسألني الآخرون وطوال ثلاث سنوات
تقريبا: كيف هي مدرستك ؟
لا أخبرهم عن عيوبها ولا عن كل ما يؤذيني فيها أكتفي بقول : مدرستي
نظيفة ومجددة ويتم تطويرها إلا أنهم مشددون نوعا ما في الأنظمة "
أكون حريصة عليها كما لو كانت جزء مني .. شيء ما في دآخلي يأبى أن
يسمع الآخرين يتحدثون عنها بسوء .. لكنني كنت أجهله !
فقد كنت أمقتها .. لا أحبها
.. لاشيء يجبرني على أن أتحدث عنها هكذا
.. حقا كنت متعجبة من نفسي !



في هذه المدرسة رأيت أصنافا من الناس لم أعرفها من قبل..
البعض تمنيت لو لم أره ولم أعرفه ..
رأيت أولئك الذين يستقبلون أحدهم بابتسامة عريضة وبسيل
من الترحيب والاطراء وقد كانوا قبل دقائق يذمون فيه
للحد الذي لو كان بيدهم لقتلوه !
نفاق .. بنكهة المصلحة عرفته هنا !

رأيت تلك الفتاة وقد تملكها التعب وبدا الإرهاق واضحا في عينيها ..
ما بالك أخية ؟ .. هي لم تنم البارحة لأنها قسمت ليلها
بين استذكار اختبارها وإكمال
الناقص من دفاتر صديقتها المريضة
وفاء وتضحية .. بمعنىً ملموس أضاء قاموس حياتي ،

رأيت تلك المعلمة التي لم تـثـنها المسافة بين فصلنا ومكتبها ووسط
ازدحام الطالبات والحر الخانق لتأتي
وتقول : عذرا .. هناك خطأ بسيط في
آخر مسألة من درس اليوم !

إخلاص .. معنىً قيم من الصعب أن تعمل به ..
ومن الصعب أن تجد من يعمل به ! 


رأيت تلك الطالبة وقد ألجمها الصمت بعد أن نهرتها المعلمة أمام
الأخريات وأهانتها وأذلتها .. دخلت هي إلى مكتبها
وتركت صدى صوتها خلفها يردد :
ارجعي إلى بلدك يا أجنبية ! .. وكلمات أخرى أترفع عن ذكرها هنا 

عنصرية ..أشعرتني لوهلة أنني عدت إلى الوراء أكثر من1431 سنة ! 

أحاسيس كثيرة اغتالتني .. البعض منها كان جديدا علي
للحد الذي لم أفهمه .. والبعض الآخر كنت أسمع عنه ..
وسيسمع الناس عنه منّي الآن .. فحين عشت الإحساس .. تغير
معناه التقليدي الذي اعتدت ترديده من قبل ..
ذقت طعم الوحدة الأليم .. لم تكن أول مرة أذوق فيها هذا الإحساس ..
لكن هنا كان أكثر ألمًــا ..
كنت كلما ضاقت بي ذهبت إلى تلك الزاوية حاملة أقلامي
ودفتري الأبيض الذي يكاد لا يفارقني لإحساسي أنه
لا يضم خربشاتي فحسب .. بل يضمني أنا !
أمر في طريقي على تلك المرآة أرتب شعري
واصطنع الابتسامة وأمضي إليها .. 
أبدأ في كتابة كل ما يجول في خاطري أرسم وألون
وكأنني طفلة اشتاقت للعبث بالألوان دون معنىً أو هدف ..
أعتدت أن أعطي جزءً من يومي لهذا الدفتر فقد قررت
لاحقًا أن أجعل من كل الأحداث التي أعيشها
لوحة أرسمها كل يوم .. حتى تكتمل  ..

وفي ذلك اليوم بينما كنت أجسد أحداث الأمس
في إحدى زوايا لوحتي ..
أتيتِ أنتِ يا معلمتي .. ونثرتِ بعضًا من ألوانك على لوحتي بلا استئذان !
تضايقت حينها بشدة وكدت أصرخ بكِ رغما عني فأنا لا أحب أن

يتدخل أحدٌ بخصوصياتي .. لكنك أسكتّني قبل أن أنطق ..

ابتسمتِ وأكملت طريقك ..

وأبقيتني في حالة من الذهول وأنا أتأمل لوحتي
يدٌ أخرى شاركت فيها دون إذني .. لكنها تبدو أجمل ! 
توقفت بعدها عن إكمال لوحتي .. أكابر كعادتي
إلى أن أقنعت نفسي بأن أتنازل فأنتِ بلا شك تعرفين مالا أعرفه
وإلا لم تضيفي إلى لوحتي تلك الألوان وبتلك الصورة ..
قبلتها فقط لأنها منكِ .. وعدت أكمل لوحتي ..
بحماسة أكثر ..! 

أتريدون رؤية تلك اللوحة ؟؟
إنها تكمن هنا في دآخلي
فلم تكن تلك اللوحة سوى شخصيتي
التي أشعر أنها بدأت تنضج وتستقل وتأخذ مسارها الخاص هنا
في هذا المكان . 

... قررت أن أسمح للأنامل الشفافة فقط حد الصفاء أن تضيف
لمساتها على لوحتي ..
فأنا لا زلت تلك الصغيرة التي تجهل الكثير مما ينتظرها
ولكنني الكبيرة للحد الذي يمكنني من أن أقرر من يقترب من لوحتي
ومن لن أسمح له أبدًا بالاقتراب ..!

الآن فقط أدركت السر وراء شعوري بالانتماء لهذه المدرسة
فقد بنيت فيها شخصيتي التي سأكمل بها بقية عمري
الذي قدره الله لي
وفيها التقيت بأناس سيظل طيفهم محفورة في ذاكرتي
يكفي أنني التقيت فيها بكن صديقاتي ..

 "صديقاتي" .. لا أدري ما الذي بين قلمي وبين هذه الكلمة
فما إن أكتبها حتى يتوقف عن الكتابة ..
ويهمس لي :" مهما كتبت لن يفهم القارئون .. فاعذريني"
عذرتك قلمي .. يكفي أنك تفهمني ، 


مدرستي .. أحببتك بقدر ما كرهتك ! 


.
.


استودعك الله 

.
.

ليست هناك تعليقات: