الأربعاء، أكتوبر 17، 2012

ضوء من الذاكرة -3-




ضوءٌ .. يتبعه ضوء !

عام 1432 .. الثاني عشر من شوال .. يوم السبت بداية عام دراسي جديد ،

في أروقة جامعة الملك عبد العزيز بجدة ، تحديدًا بين طالبات السنة التحضيرية !
الكثير من الذهول وعلامات تعجب تقفز من رأس الكثيرات ، براءة ممزوجة بالعفوية تظهر
 في الأسئلة الملقاةعلى استحياء وفي فلتات الألسن !! 
التكلف في الملبس ، ومساحيق تجميل لا تناسب النهار فكيف بالصباحات المشمسة بامتياز !
البعض يصطنعن الثقة بشكل مبالغ ليبدين الأكثر وعيًا بالحياة الجامعية والأكثر تكيفًا مع التغيير !! 
..... وبعد ،

 يوم الأربعاء 16 من شهر شوال ..
كان ذهابٌ أول للجامعة بعد تغيبي بداية الأسبوع بسبب وعكة صحية ، ولم أكن أكترث حقًا للذهاب 
فسؤال واحد كان يعنيني حينها : كيف سيبدو هذا الفصل الدراسي ؟؟
 فهو بالنسبة لي الفصل الثاني من السنة التحضيرية وسأقضيه مع طالبات هو بالنسبة لهن
فصل أول ، وتجربة أولى  ...... فكان الوصف أعلاه تصوري للحال !
في الحقيقة لم يختلف تصوري كثيرًا عن الواقع سوى أني أفرطت في تخيل سذاجتهم 
وأنا التي كنت قبل نصف عام أخوض التجربة ذاتها !..
 كم أكرهني حين أصاب بالغرور ! وكأنني نسيت كمّ الحماقات التي
 ارتكبتها في وقتٍ مضى وثانويتي ليست ببعيدة ........... !

المحاضرة الأولى "إحصاء"... مقدمة :
 بدأت الأستاذة بتعريف نفسها ، لا جديد سمعت عنها 
تحدثت عن المنهج والاختبارات وتوزيع الدرجات ، أيضًا لا جديد ،
... ولما كدت أستسلم للنوم الذي باغتني حينها
 ...قالت : 
" وحشتكم المدرسة ؟ ... لا تخافوا من الجامعة و الدراسة والانجلش و و و "
 ...... يا إلهي أين المفر ؟
ليس ممتعًا أبدًا أن تتكرر البدايات ، وأن يُزج بك في خضم التكرار الذي يعني الجميع سواك 
حتى المسرحيات الأكثر متعة تبدو مملة حين تكون المشاهد الوحيد فيها !

شيء جميل كنا نملكه ولا يملكونه ألا وهو طمأنتهم بأن القادم أيسر ، 
وأكثر متعة بحكم تجربتنا نحن الذين سبقناهم بنصف عام كان كدهر !
وقد صدقناهم القول .. الطريق في أوله يبدو وعرًا ، مظلمًا .. بل شديد الظلمة في بعض الأحيان 
لكنها البداية فقط ، إنها تختبرنا إن كنا مؤهلين لإكمال الدرب الذي يتمناه الكثير وفتح الله لنا بابه تكرمًا منه سبحانه .


قررت أن أغامر ! 

بعيدًا عن الدراسة وعن محاضرات الإحصاء المملة إلا قليلا !
ومحاضرات الكيمياء التي أقل ما يقال أنها الأفضل ! 
ومحاضرات الأحياء الـ ...... لحظة ! ، أنا والأحياء قصة  .. وأي قصة !
 يكفي أن أقول أن العائلة اجتمعت يوم الامتحان النهائي إحتفالا بتوديعي له للأبد !

بعيدا عن كل هذا قررت أن أغامر بالمشاركة في أي فرصة تقابلني ... وفعلا !
مررت بفتيات يعلن عن مسابقة أدبية ، ألقيت نظرة ، أدرجت اسمي في فن الخاطرة 
أيام ... سلمت مشاركتي فاجأتني المشرفة بأن الإلقاء أمام الجمهور واللجنة شرط الاشتراك 
ماذا ؟ إلقاء ! جمهور ! مايك ! مسرح !... لم أجرب أي من هذا ! حتى أن أنشر خاطرة كانت مغامرة بذاتها !
قلت " أوك نجرب اش ورانا " .. ولم أكن أعني ذلك حقًا !
طلبت أن تسمع إلقائي يومها فاعتذرت بأني سأعود في الغد ...... ولم أعد !!
بعد أسبوعين ربما وصلتني رسالة بضرورة حضوري لمقر النادي الأدبي ، ذهبت وألقيت خاطرتي على مضض
دار حديث صغير وبعض الملاحظات ، كنت عن سوء فهم كتبت تحت عنوان حر
والمسابقة تلزم الكتابة تحت ضوء عبارة " لأننا نتقن الصمت حملونا وزر النوايا"
سألت : كم بقي على آخر موعد للتسليم ؟
: للربوع ، عندك يومين !
: أخاف ما يطلع معايا شي !
: اللي متعود يكتب حيمديه 
: ان شاء الله .. يصير خير 
.... أجهدت نفسي لأكتب وبينما أنا كذلك وصلتني رسالة من النادي الأدبي :
" مبروك لقد تم ترشحك لتمثيل كليتك في مسابقة رواد الأدب _فن الخاطرة "
لا تعليييق !!
ذهبت في اليوم التالي لاستفسر وأسلم الجديد ، باغتتني المشرفة : مبرووك ! 
: كيييييف وانا لسى ما سلمت ؟؟
: خلاص الأولى كانت حلوة أكيد الثانية كمان !
: شكرًا .. قلتها بذهوول وسرور !



" روّاد الأدب " ... وتجاوز العتبة !

أتى اليوم الموعود يوم المسابقة ، أعترف .. كدت أتراجع لولا رغبتي الشديدة
 في كسر عقدة رافقتني منذ الصغر ، حين فكرت بحماسة أن أجرب التمثيل ضمن احتفال
 مركزنا الصيفي فسخر مني من بالبيت كلهم أجمعون :" انتي تمثلي ؟ "
 قالوها بازدراء ... واعتزلت بعدها حتى مجرد التفكير في مواجهة أي جمهور !
كل شيء ينقش في الصغر ....!

وصلت المسرح متأخرة ، اقترب دوري .. فكرت في الانسحاب .. تلفتّ يمنة ويسرى
 ..أين مخارج المسرح ؟ حدثت نفسي .. ليس ذوقيًا  اختاروني من بين أخريات كيف أخذلهم ؟
أنا مقتنعة بنصي ..لكن ...سعاد ... اسمع اسمي يُنادى 
إنه دوري حقًا .. لا مفر .. صعدت على المسرح .. ألقيت ما لدي ... وتنفست الصعداء !
أدلت لجنة التحكيم برأيها وانتهت المهمة ... لم أصدق هل فعلتُ ذلك حقًا !!.. 
لم أكترث لأمر الفوز والخسارة يومها .. تكفيني هذه التجربة انها انجاز حقيقي على المستوى الشخصي  .
إنني أؤمن أن كل تجربة صغيرة كانت أو كبيرة تضيف شيئا لأنفسنا ..
وأن كل الفرص التي تعترض طريقنا أو تمر بقربنا على هون يستحيل أن تكون مصادفة .. ثمة شيء يخصنا فيها .




كواكب المسرح .. وحلمٌ أخضر !

خرجت من رواد الأدب ممتلئة بالطاقة ، بالثقة وبالحياة .
كانت تجربة صغيرة هيأتني لتجربة أكبر وأجمل ... أدركتُ ذلك لاحقًا !
ساق القدر إليّ طالبة من النادي المسرحي لتخبرنا عن مسابقة كواكب المسرح وفروعها 
إنشاد ، تمثيل ، عروض رياضية ، أفلام وثائقية أو قصيرة .. استوقفتني الأفلام ، لم أصور سوى فلم يتيم
 وذلك قبل عام هل لازلت أجيد الإمساك بالكاميرا ؟؟ .... لا ضير من المحاولة سأشارك !
تصوير فلم قصير ليس بالأمر السهل إطلاقا ..  البحث عن فكرة مبتكرة مختصرة 
والممثلين عددهم أعمارهم ، أماكن التصوير والأيام والمواصلات ،
فرز المشاهد وقصها ومعالجتها ومونتاجها و و و  
تعبت ، تعبت كثيرًا في هذا المشروع لا شيء كان يسير على ما يرام 
حتى البرامج التي اعتدت استخدامها لم تعمل ! الكثير من المقاطع تلفت عند نقلها للجهاز !
بكيت كثيرًا ، المشاكل تظهر دون أن أفهمها لأبحث عن حلول ، كم أكره التعامل مع أجهزة لا تتكلم !
تعبت وخالقي .... أتى الأربعاء آخر موعد للتسليم 
: أستاذة سارة هاكِ الفلم أنهيته أخيرًا ...... وتلاشى التعب .
هو لم يتلاشى فحسب بل أهداني فوزًا جميلًا في تلك المسابقة .. 
حلم أخضر أجمممل تجربة في حياتي حتى الآن ... كم أنا ممتنة لكل من دعمني فيها 
عائلتي ، صديقاتي ، أ.سارة ، لجنة التحكيم ، وكل من شارك بالتصويت .... من القلب شكرًا لكم . 




موتى وهم لا يشعرون !


في الجامعة عالم نسبي بين الإثارة والرتابة .. نحن وما نختار!
ومشاركتي في الأنشطة اللاصفية منحتني خيارات أخرى لأحيا بها الحياة الجامعية ،
بعض زميلاتي كنّ يسخرن مني ولست أدري ما غايتهم خلف ذلك 
: " روحي انتي وأنشطتك " .. نعم سأذهب لن أكرر غلطة المدرسة !
الآن فقط أدركت كم هو جميل أن ترافق أشخاص مفعمين بالحياة كنت أتمنى من تشاركني 
حماستي لتلك الأنشطة افتقدت سمية التي سافرت ولم تعد .. افتقدت صديقة المدرسة التي كانت تقول :
" عيوني بتلمع " في كل صباح تمتلئ فيه حماسة .
 .. نعيش حياتنا بسرعة شديدة ، فنعيشها دون اكتمال
مغمضين أعيننا عن أكثر ألوانها إشراقًا !
فلانة من الناس ..وجدتها في حالة بائسة غارقة بالملل 
انها لم تسمع من قبل عن الأندية الطلابية رغم أنها في الجامعة من قبلي 
حدثتها عنها ، دعوتها لمشاهدة فعالية مسرحية في يوم ما ، ويوم آخر لحضور فعالية أخرى
" شكرًا يا سعاد إنك قلتيلي أحضر " كانت تقولها ببراءة أخجلتني 
وفي يوم آخر قالت : " أمي تقولي كأنك كنتي مدفونة في الجامعة وجات سعاد بعدت عنك التراب " 
.. لا أدري أتشكرني أم أشكرها!
كلماتها أسعدتني لازال طعمها الحلو في مسمعي حتى اليوم ..